الشيخ محمد علي طه الدرة

416

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

وذكر أحوال المؤمنين ، وما كانوا عليه من البصيرة وسماع الحق ، والانقياد للطاعة ؛ ضرب لهم مثلا ، فقال اللّه تبارك وتعالى : مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ ، يعني فريق المؤمنين ، وفريق الكافرين . كَالْأَعْمى وهو الذي لا يهتدي لرشده . وَالْأَصَمِّ ، وهو الذي لا يسمع شيئا البتة ، وَالْبَصِيرِ وهو الذي يبصر الأشياء على ماهيتها . وَالسَّمِيعِ وهو الذي يسمع الأصوات ، ويجيب الداعي . انتهى . هذا ؛ ولا تنس : أن وصف الكافر بصفتين ، ثم وصف المؤمن بصفتين ، إنما هو من باب اللف والطباق والمقابلة ، وهذا من فن البديع . هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا : قال الفراء : لم يقل : هل يستوون ؛ لأن الأعمى ، والأصم في حيز كأنهما واحد ، وهما من وصف الكافر ، والبصير والسميع في حيز كأنهما واحد ، وهما من وصف المؤمن . أَ فَلا تَذَكَّرُونَ أي : تتعظون بضرب الأمثال والتأمل فيها ، وقد حذفت إحدى التاءين من الفعل ، فإن الأصل ( تتذكرون ) وهذا الحذف كثير ومستعمل في القرآن الكريم ، والكلام العربي . هذا ؛ و « مثل » بفتح الميم والثاء هنا بمعنى صفة الفريقين ، وهو بكسر الميم وسكون الثاء ، ومثله : مثيل بمعنى : شبه ، وشبيه ، وهو اسم متوغل في الإبهام ، فلا يتعرف بإضافته إلى الضمير وغيره من المعارف ؛ ولذلك نعتت به النكرة في قوله تعالى ، حكاية عن قول فرعون وقومه : أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ ويوصف به المفرد ، والمثنى ، والجمع ، والمذكر والمؤنث ، كما في الآية الكريمة ، وتستعمل على ثلاثة أوجه : الأول : بمعنى الشبيه ، كما في قوله تعالى : سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ ، والثاني : بمعنى نفس الشيء ، وذاته ، كما في قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ عند بعضهم حيث قال : المعنى : ليس كذاته شيء ، والثالث : زائدة ، كما في قوله تعالى : فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا أي : بما آمنتم به . هذا ؛ وأما « المثل » في قوله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً وشبهه ، انظره في الآية رقم [ 24 ] من سورة ( إبراهيم ) عليه السّلام ، هذا ؛ والمثل بفتح الميم والثاء أيضا : هو القول السائر بين الناس ، والذي فيه غرابة من بعض الوجوه ، والممثل بمضربه ، أي : هو الحالة الأصلية التي ورد الكلام فيها ، وما أكثر الأمثال في اللغة العربية ، علما بأن ألفاظ الأمثال لا تتغير ، تذكيرا وتأنيثا ، إفرادا وتثنية وجمعا ، بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل ، مثل : ( الصّيف ضيّعت اللّبن ) فإنه يضرب لكل من فرط في تحصيل شيء في أوانه ، ثم يطلبه بعد فواته ، هذا ؛ ويجمع « مثل » بكل معانيه على أمثال ، كما في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ . . . إلخ . أَ فَلا فالهمزة للإنكار ، وهي في نية التأخير عن الفاء ؛ لأنها حرف عطف ، وكذا تقدم على الواو ، وثم ، تنبيها على أصالتها في التصدير ، نحو قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ . . . إلخ وقوله : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ . . . * إلخ وقوله : أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ . . . إلخ وأخواتها تتأخر